أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

35

العقد الفريد

ودخل أعرابي على رجل من الولاة فقال : أصلح اللّه الأمير ، اجعلني زماما من أزمتك تجرّبه الأعداء ، فإني مسعر حرب ، وركّاب نجب ، شديد على الأعداء لين على الأصدقاء ؛ منطوي الحصيلة ، قليل الثميلة « 1 » ، نومي غرار « 2 » ، قد غذتني الحرب بأفاويقها ، وحلبت الدهر أشطره ؛ ولا تمنعك مني الدمامة ؛ فإن من تحتها شهامة . وذكر أعرابي رجلا ببراعة المنطق فقال : كان واللّه بارع المنطق ، جزل الألفاظ ، عربيّ اللسان ، فصيح البيان ، رقيق حواشي الكلام ، بليل الريق ، قليل الحركات ، ساكن الإشارات . وذكر أعرابي رجلا فقال : رأيت له حلما وأناة ، يحدثك الحديث على مقاطعه ، ينشدك الشعر على مدارجه ، فلا تسمع له لحنا ولا إحالة « 3 » . العتبي قال : ذكر أعرابي قوما ، فقال : آلت سيوفهم ألّا تقضي دينا عليهم ، ولا تضيّع حقا لهم ، فما أخذ منهم مردود إليهم ، وما أخذوا متروك لهم . ومدح أعرابي رجلا ، فقال : ما رأيت عينا قط أخرق لظلمة الليل من عينه ولحظة أشبه بلهيب النار من لحظته ؛ له هزة كهزة السيف إذا طرب ، وجرأة كجرأة الليث إذا غضب . ومدح أعرابي رجلا ، فقال : كان الفهم منه ذا أذنين ، والجواب ذا لسانين ؛ لم أر أحدا أرتق لخلل الرأي منه ، بعيد مسافة العقل ومراد الطرف ، إنما يرمي بهمته حيث أشار الكرم . ومدح أعرابيّ رجلا فقال : ذاك واللّه فسيح النسب ، مستحكم الأدب ، من أي أقطاره أتيته انتهى إليك بكرم فعال ، وحسن مقال . ومدح أعرابي رجلا فقال : كانت ظلمة ليله كضوء نهاره ، آمرا بإرشاد ، وناهيا

--> ( 1 ) الثميلة : البقية من الشيء . ( 2 ) غرار : قليل . ( 3 ) أحال الكلام : أفسده .